فصل: بعث أسامة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: السيرة النبوية دروس وعبر



.حجّة الوداع:

كانت حجة الوداع هي الحجة الوحيدة التي أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد البعثة، ولما تسامع الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيحج في تلك السنة، توافدوا إلى الحج من مختلف أنحاء الجزيرة العربية حتى بلغوا- كما قال بعض المؤرخين- مائة وأربعة عشر ألفاً، ونحسب أن هذا العدد تقديري، وإلا فكيف أمكن إحصاؤهم وتحديد عددهم بهذا القدر؟
وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته الشهيرة التي يجب أن يحفظها كل طالب علم، لما تضمنته من إعلان المبادئ العامة للإسلام، وهي آخر خطبه صلى الله عليه وسلم، وقد جاء فيها: «أيها الناس، اسمعوا قولي، لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً»- وهذا من معجزات رسوله صلى الله عليه وسلم- «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب- وكان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل- فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.
أما بعد أيها الناس، فان الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا على دينكم.
أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً، ويحرمونه عاماً، ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.
أما بعد أيها الناس فان لكم على نسائكم حقاً، ولهن عليكم حقاً، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فان فعلن فان الله قد أذن لكم أن تهجروهنَّ في المضاجع وتضربوهنَّ ضرباً غير مبرح، فان انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله.
فاعقلوا أيها الناس قولي، فاني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً، كتاب الله وسنة نبيه، أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟»
.
إن أول ما يلفت النظر في حجة الوداع هذا الجمهور الضخم الذين حضروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم من مختلف أنحاء الجزيرة العربية، مؤمنين به، مصدقين برسالته، مطيعين لأمره، وقد كانوا جميعاً قبل ثلاثة وعشرين سنة فحسب على الوثنية والشرك، ينكرون مبادئ رسالته، ويعجبون من دعوته إلى التوحيد، وينفرون من تنديده بآبائهم الوثنيين، وتسفيهه لأحلامهم، بل كان كثير منهم قد ناصبوه العداء، وتربصوا به الشر، وبيتوا على قتله، وألبّوا عليه الجموع، وجالدوه بالسيوف والرماح، فكيف تم هذا الانقلاب العجيب في مثل هذه المدة القصيرة، وكيف استطاع صلى الله عليه وسلم أن يحول هذه الجموع من وثنيتها وجاهليتها وترديها وتفرقها إلى توحيد الله وعلم ذاته وصفاته، واجتماع الكلمة، ووحدة الهدف والغاية؟ وكيف كسب حب هذه القلوب بعد عداوتها، وهي المعروفة بشدة الشكيمة وعنف الخصام؟ ألا إن إنساناً مهما بلغت عبقريته، ودهاؤه، وقوة شخصيته ليستحيل أن يصل إلى هذا في مئات السنين، وما سمعنا بهذا في الأولين والآخرين، إن هو إلا صدق الرسالة، وتأييد السماء، ونصرة الله، ومعجزة الدين الشامل الكامل الذي أتم الله به نعمته على عباده، وختم به رسالاته للناس، وأراد أن ينهي به شقاء أمة كانت تائهة في دروب الحياة، مستذلة للأهواء العصبيات، وأن يدلها على طريق الهداية، ويفتح أعينها لأشعة الشمس، ويقلدها قيادة الأمم، ويحوُّل بها مجرى التاريخ، ويمحي بها مهانة الإنسان، ويورثها الحكمة والكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب.
مائة وأربعة عشر ألفاً كانوا له مكذبين، فأصبحوا له مصدقين، وكانوا له محاربين، فأصبحوا له مذعنين، وكانوا له مبغضين، فأصبحوا له محبين، وكانوا عليه متمردين، فأصبحوا له طائعين، كل ذلك في ثلاث وعشرين من السنين.. ذلك هو صنع الله الحق المبين، فتعالى الله عما يشركون، وتنزهت ذات رسوله عما يقول الملحدون، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وثاني ما يلفت النظر في حجة الوداع هذا الخطاب القوي الحكيم الذي خاطب به رسول الله الناس أجمعين، وتلك المبادئ التي أعلنها بعد إتمام رسالته ونجاح قيادته، مؤكدة للمبادئ التي أعلنها في أول دعوته، يوم كان وحيداً مضطهداً، ويوم كان قليلاً مستضعفاً، مبادئ ثابتة لم تتغير في القلة والكثرة، والحرب والسلم، والهزيمة والنصر، وإعراض الدنيا وإقبالها، وقوة الأعداء وضعفهم، بينما عرفنا في زعماء الدنيا تقلباً في العقيدة والمبدأ، وتبايناً في الضعف والقوة، وتغيراً في الوسائل والأهداف، يظهرون خلاف ما يبطنون، وينادون بغير ما يعتقدون، ويلبسون في الضعف لبوس الرهبان، وفي القوة جلود الذئاب، وما ذلك إلا لأن هؤلاء رسل المصلحة، وأولئك رسل الله وشتان بين من يحوم فوق الجيف، وبين من يسبح في بحار النور، شتان بين الذين يعملون لأنفسهم، وبين الذين يعملون لإنسانيتهم، شتان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 257].

.بعث أسامة:

إن آخر ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنشر الدعوة وحمايتها، ورد غارة المعتدين على الدولة الجديدة والمتربصين بها أن جهز جيشاً إلى الشام تحت قيادة أسامة بن زيد وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وقد كان في هذا الجيش جميع المهاجرين والأنصار، ومن كان حول المدينة من المسلمين، لم يتخلف منهم أحد، ولما كان الجيش في ظاهر المدينة يتأهب للمسير ابتدأ مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، فتوقف الجيش عن السير انتظاراً لشفاء الرسول، ورغبة في تلقي تعاليمه وهديه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي بعد أيام، واختاره الله إلى جواره بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وهيأ جزيرة العرب كلها لحمل لواء الإسلام، ونشر حضارته وتعاليمه في أنحاء الأرض، وبعد أن تكون الجيش الذي يقوم بحمل أعباء هذه الأمانة العظيمة الأثر في التاريخ، بعد أن تهيأ جنوده الصالحون لخوض معاركها، والقادة الأكفاء لقيادة حروبها، والرجال العظماء الصالحون لإدارة دولتها، فصلى الله وسلم على رسوله، وجزاه الله عنا وعن الإنسانية خير الجزاء، فلولاه ولولا جنوده الأوفياء الذين أدّوا الأمانة من بعده لكنا الآن في ضلال مبين.
لقد أكرم الله رسوله بما لم يكرم نبياً من قبله، إذ طالت حياته حتى رأى ثمرة دعوته وكفاحه تلف الجزيرة كلها، فتطهرها من الأوثان تطهيراً أبدياً، وتجعل الذين حطموا هذه الأصنام بأيديهم فرحين بنعمة الله في إنقاذهم من الضلال، هم الذين عبدوها من قبل، وعفّروا لها وجوههم بالسجود لها، وطلب الزلفى عندها، ثم تجعل هؤلاء مستعدين تمام الاستعداد للانسياح في الأرض، يحملون إلى الناس نور الهداية التي أنعم الله عليهم بها، إنه جيل واحد هو الذي كان يعبد الأصنام ويؤلِّهها، ويعيش في جاهليته هملاً مبعثراً الكفاءات والمواهب، ثم هو الذي حطم الأوثان، وأقام الدولة العربية الأولى في تاريخ العرب كله،
التي تحمل رسالة وتحدد هدفاً، وتقف من أقوى أمم الأرض حولها موقف المعلم المنقذ، والرائد المعتز بما يحمل من هدى ونور وخير المشفق على ما كانت تتردى فيه الأمم من جهالة وظلام وانحلال، بينما كان العرب ينظرون إليها قبل الإسلام نظر الإكبار والإعظام، ويقفون منها موقف التبعية السياسية والفكرية والاجتماعية، إنه حدث فريد في التاريخ قديمه وحديثه، وليس بعث أسامة إلا عنوان هذا الحدث ونتائج هذه الرسالة الميمونة المباركة.
ثم يتجلى من جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادة الجيش لأسامة بن زيد وهو شاب في سن العشرين وتحت لوائه شيوخ المهاجرين والأنصار، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهم من هم في سبقهم إلى الإسلام، وحسن بلائهم فيه، وتقدمهم في السن والمكانة على أسامة، أن في هذا سنة حميدة من سنن الإسلام في إلغاء الفوارق بين الناس من جاه وسنٍّ وفضل، وتقديم الكفء الصالح لها مهما يكن سنِّه ومكانته، ثم في رضا هؤلاء العظماء الذين أثبت التاريخ من بعد أن التاريخ لم ينجب مثلهم في عظمتهم وكفاءاتهم، على أن يكونوا تحت إمرة أسامة الشاب، ما يدل على مدى التهذيب النفسي والخلقي الذين وصلوا إليه بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدايته وتربيته وإرشاده.
إن في تأمير أسامة على مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، سابقة عظيمة لم تعهدها أمة من الأمم، تدل على وجوب فسح المجال لكفاءات الشباب وعبقرياتهم، وتمكينهم من قيادة الأمور حين يكونون صالحين لذلك، وهذا درس عظيم لو بقي المسلمون يذكرونه من بعد لاختفت من تاريخ الإسلام محن وكوارث، ومن تاريخ دولته عواصف وفتن زعزعت أركانها وأضعفت من قوتها، فنعم ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بوحي السماء، الموهوب من الحكمة والسداد، وبعد النظر، وعظيم السياسة، ما لم يوهب نبي قبله، ولم يعرف عن عظيم في التاريخ من قبله ومن بعده، ورضي الله عن أسامة الشاب، وهنيئاً له ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفاءة قيادته وصدق عزيمته، وحسن إسلامه، رضي الله عنه وجعله قدوة لشبابنا المؤمنين العاملين.

.وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان قد علم من طريق الوحي بقرب أجله، فودع الناس في حجة الوداع، وكانت قلوب الصحابة واجفة هلعة خشية أن يكون أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اقترب، ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، فلما أشيع عن وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم اضطرب الصحابة جميعاً لهول الكارثة، وزلزلت المدينة زلزالها، وطاشت عقول كثير من كبار الصحابة والسابقين إلى الإسلام، فمنهم من عقل لسانه، ومنهم من أقعد عن الحركة، ومنهم وهو عمر من شهر سيفه ينهى الناس أن يقولوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات، ويزعم أنه غاب، وسيرجع إليهم، ولكن أبا بكر وحده هو الذي كان ثابت الجأش، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى على فراشه، فقبله وقال له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما أطيبك حياً وميتاً! أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً، يا رسول الله اذكرنا عند ربك.
ثم خرج أبو بكر إلى الناس، فخطب فيهم وقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً، فان محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فان الله حيٌّ لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144]. فلما تلاها أبو بكر أفاقوا من هول الصدمة، وكأنهم لم يسمعوها من قبل، قال أبو هريرة: قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أن أبا بكر تلاها فعقرت- أي دهشت وتحيرت- حتى وقعت إلى الأرض وما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.
وهنا درسان بالغان:
أولهما: أن الصحابة دهشوا لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لكأن الموت لا يمكن أن يأتيه، مع أن الموت نهاية كل حي، وما ذلك إلا لحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حباً امتزج بدمائهم وأعصابهم، والصدمة بفقد الأحباب تكون على قدر الحب، ونحن نرى من يفقد ولداً أو أباً كيف يظل أياماً لا يصدق أنه فقده، وأي حب في الدنيا يبلغ حب هؤلاء الصحابة الأبرار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد هداهم الله به، وأنقذهم من الظلمات إلى النور، وغير حياتهم، وفتح عقولهم وأبصارهم، وسما بهم إلى مراتب القادة العظماء، ثم هو في حياته مربيهم وقاضيهم ومرشدهم يلجئون إليه في النكبات، ويسترشدونه في الحوادث، ويأخذون منه خطاب الله لهم وحديثه إليهم وتعليمه لهم، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطع ذلك كله، فأي صدمة أبلغ من هذه الصدمة وأشدها أثراً.
ثانيهما: أن موقف أبي بكر دل على أنه يتمتع برباطة جأش وقوة أعصاب عند النكبات لا يتمتع بها صحابي آخر. وهذا ما جعله أولى الناس بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أثبت ذلك في حركة الردة في جزيرة العرب.
ملاحظة:
إلى هنا ينتهي ملخص ما ألقي من محاضرات في فقه السيرة على طلاب السنة الثانية، وقد بقي من برنامج هذه المحاضرات أربعة فصول، ولم يتسع الوقت لإملاء بقية الفصول المقررة في المنهاج، كما ذكرناه في مقدمة مذكرة السنة الأولى، وذلك لضيق الوقت، فنرجو أن يوفق الله لكتابة بقية هذا المنهاج. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.